الأربعاء، 23 فبراير 2011

طمبورطين



كان يا مكان في قديم الزمان، وسالف العصر والأوان، يُحكى أن هناك بلدة نائية حباها الله من خيراته مالم يسمع به بشرٌ قط، إلا في حكوات الجدات، وخرفنة المجانين، فحدث أن امتحن الله قلوبهم في محبته يوماً، فما نجحوا إلا ما رحم الرب، فانقلبت تلك البلدة الجناء، إلى زريبة عفناء، أسموها فيما بعد " طمبورطين " كما انقلب أهاليها إلى حيواناتٍ تحتضنهم زريبة!

فلما امتلأت الحيوانات ذلا وقهرا من زعيمهم الثور طمبور، فاضت نفوسهم جرحاً من عجرفة الطبقة المخملية المتكونة من حفنة كلابٍ وخرافٍ وخنازير، وقعّوا عريضةً يطالبون فيها مطلب واحد يُسمى " العدالة"، سلّمها الحمار " آرنو " لأحد كلاب طمبور المقربين!

في أحد الأيام لما خرج طمبور في رحلةٍ استكشافية للزريبة، نسيت حاشيته جلب البساط الأحمر، فأخرج الكلب العريضة، لتكون مداساً أحمرٍ لما فيها من دماءٍ وجراح، لأقدام طمبور.

فشاعَ خبراً في الزريبة نشرته الخراف: " العريضة تحت أقدام الملك، العريضة تحت أقدام الملك، العريضة تحـ ... ". انتكست رؤوس الحيوانات خَيبة، حتى كادت أن تنسى لونُ السماء، فصرخ آرنو فيهم: " كفاكم يا أصدقاء، إن الشمسَ لا تنحني إلا لتبلغ قلب السماء، فابلغوا قلب سمائكم "

أُخرِسَ آرنو، بحجة ال ..... ، ووضعوا فوق رأسه منارةً من نار؛ لِتُحرِقَ فيه صوت الحق الذي لا يبرح الصمت ليلاً أو نهار! فيما لم يخرس الصوت الذي صار يتردد في رؤوس الحيوانات، فانطلقوا في ليلةٍ ظلماء حاملين مشاعلهم في اعتصامٍ مطلبهُ ’ فسحة لتحسين مستوى المعيشة !

فرد عليهم طمبور بأن أمر كلابه بنهش لحومهم، وخنازيرهُ بتنجيسهم وحلاً؛ بتهمة ال ..... ! فيما تعالت صوت خرافهِ " امباااع .. امبااااع " ..
فوطأ طمبور طيناً أبى أن يتشكلَ يوماً على هواه، وصار يضحك ويضحك، وقدماه تسبحان في دمٍ من طين!

الأربعاء، 26 يناير 2011

ثمن



طق.. طق..

توجهتُ إلى الباب تُسابق قدماي إحداهما الأخرى في هرولة سريعة، ما أن لامستُ المقبض، حتى نفرته على عجل، وعُدتُ أدراجي سريعاً أعاين شكلي في المرآة للمرة العاشرة. "واو! لم تتحرك شعرة من موقعها، التسريحة في قمة ثباتها، والكحل أيضاً قد رسم عينيّ بشكلٍ جذاب للغاية، يتوجب عليّ شكر جارتي صفية فبضاعتها من أجود الأنواع، امم لكن.. أحمر الشفاه قد بهت لونه!!"

طق طق طق..

ألون شفتي بشكلٍ سريع باللون الأحمر وأبعث لنفسي قبلة رضا في المرآة، وبشكلٍ أسرع أهرول لملاقاة الطارق. لابد أن شوقه قد غلبه، فلم يكتفي برنين الجرس فحسب، بل أن الباب يكاد أن يُقلع من شدة طرقاته. أتذكر أول مرة رأيتهُ فيها، كان يبيعُ سمكاً في سوق البلدة، ملابسه لم تكن بذاك السوء، بل كانت تحمل شيئاً من الأناقة، وربما لن تكن تحمل شيئاً من الأناقة لو أنها اقترنت برجلٍ أقل وسامة منه، أكانَ السر في شعرهِ الأشقر؟ الذي يعيد الناظر إليه إلى زمنٍ تنعدم فيه الألوان؟ أم في عينيه التي تجعلكَ تسبحُ وكأنكَ في بحيرةِ عسل، أم..؟

طق طق.. طق طق..

لابد أنه الآن في قمة غضبه! هو يعلم بأنه يزداد وسامةً حتى عندما يغضب، خاصة حينما تتورد وجنتاه. ولوجناته حكاية خاصة، لا يسعني استذكارها.. كل ما فعلتهُ، أنني فتحتُ الباب.
دائماً ما كانت تحذرني والدتي المرحومة من شدة الفرح، وليتني استمعتُ لتحذيراتها يوماً!.. اختلفت ألواني وأنا أرى صديقتي وفاء على الطرف الآخر من الباب، خُيّلَ إلي بأن سواد الكحل قد امتزجَ مع حمرة شفاهي فصرتُ لا أرى إلا الأحمر والأسود. لابد أنها جاءت منتقمة، لابد أنها قد عرفت سر علاقتي بزوجها، لِمَ يدها خلفَ ظهرها؟ أتخبئ سكيناً؟ أتفكر في طعني حقاً؟ وفي أي المواضع؟ أين ستغرس سكينتها اللعينة؟ في جوفي.. قلبي.. أم أمعائي؟ ألن تصفح؟ وفاء لطيفة وتحبني كثيراً. إذن لِمَ خذلتها؟ لِمَ طعنتها بأكثر السكاكين حدة؟ يا ربي ساعدني.. قد سترتني طيلة السنوات الثلاث، فلا تفضحني اليوم، سأتوب إليكَ من جديد.. لا أريد هذهِ الميتة، نجني من حبالها، نجني يا رب.. يا رب.. يا رب..

فتحتُ عينيّ فزعةً على صوتها: " ألن تُدخليني الدار يا صديقة؟ "
حاولتُ صُنعَ الابتسامة، فلم أقدر، كيفَ كُنتُ أصنعها طيلة السنوات الراحلات؟.. ابتعدتُ عن الباب، فانخرطت بالدخول كتسرب دخان لا يطيق الانتظار، اختارت لنفسها أقرب كرسيّ وجلست، أراقبها برهبة شديدة، جلستها هادئة كالعادة.. احتفظت بحقيبتها في حضنها وألقت يديها على الحقيبة بارتياح. لالا..، يدٌ واحدةٌ فقط هي المرتاحة على الحقيبة، بينما الأخرى أسفلها، يا إلهي.. إذن السكين في يدها اليمنى!
تمسكتُ بالباب، مشيتُ على أطراف أصابعي أنوي الهروب، شيءٌ ما فاجأني.. سقطَ من عيني.. تحسستُ عيني بارتجاف..، ماء؟ لا.. دمع!! أخرجَت يدها من أسفل حقيبتها، فبانَ بياضها صافياً. هي لم تكن تحملُ سكيناً؟!!

أردفت بملل: " الحساب أصبح ثلاثة ملايين دولار، لاستعارتكِ زوجي ثلاث سنوات متتاليات ".
تبعثرت ألواني، أحسستُ بكتيبة هواء تتسلل لرئتيّ، بتُّ أتنفس! لم أجد نفسي إلا وقد وقَّعتُ شيكاً بالمبلغ المطلوب، استلمتهُ بابتسامة عريضة تكاد تشق من خلالها أخدوديها.
وكما أدهشتني بدخولها، كذلك حدث فور خروجها، حين قالت: " لا مانع لدي من تجديد العقد لثلاث سنوات أخريات! ".

السبت، 25 ديسمبر 2010

عِقد





اليوم ما قبل الأخير قد مضى، وبقي اليوم الأخير!

كوني مزارعاً بسيطاً يعني أن أعيش في كوخٍ صغيرٍ، كحالِ أبي، وجدي، وجدُّ جدي. وتعيش زوجتي وأطفالي طيلة الدهر بأفواهٍ منفرجة وعيون لا تتعب من التحديق بحاجيات الغير، بحسرةٍ وتمني. وإذا ما أردتُ الإفراج عن حالهم، توجب عليّ الاستدانة من مختار القرية، ورهن بستاني الصغير الذي ورّثَه جد جدي لجدي، وجدي لأبي، حتى وصل إلي عن طريق أبي.

تعبتُ وأنا أقَلِّبُ أصابعي في العدّ، أثني وأمد، أمد وأثني، متمنياً زيادة إصبعا واحداً، ليزيد من حصتي في السداد. تخطر في بالي أفكاراً مجنونة، تتقلب كلما قلبتُ التربة وجهاً. ماذا لو حرقتُ بستاني؟ ماذا لو سرقت بضعة دنانير من متجر الحاج محسن؟ ماذا لو حرّضتُ أحد أطفالي على....، أنفضُ رأسي بشكلٍ هستيري، لئلا تستحوذ عليّ الأفكار المجنونة، أرمق الأفق البعيد، فيجذب بصري وميضاً في منتصف البستان، حسبتهُ للوهلة الأولى عمليات إغراء أتخذتها الشمس حيالي، أنفضُ رأسي مرةً أخرى، أقشعُ عنه لعنات مسيطرة، أو تحاول السيطرة.

احتمي بجذعِ نخلةٍ وأمسحُ قطراتٍ من العرق صارت سيولاً، من غرتي حتى أسفل ذقني، أتنفس بصعوبةٍ متجاهلاً ألم خاصرتي الذي لا يبرح في تعذيبي ليل نهار! أسمعُ هتف هاتفٍ من خلفي: " عُمتَ مساءً يا عبد الغني "

تتأرجحُ ألواني بينَ الحمرة والزرقة، والمختار بفمه العريض وشاربيه السميكين يقهقه ويعاود السؤال اليومي : " متى تعيد أموالي يا غني؟ "
اعتادَ الناس في هذهِ القرية مناداتي" بغني "عوضاً عن اسمي المركب من شطرين "عبد" و "الغني"، إما للسخرية بحالي، وإما لراحة ألسنتهم وحناجرهم، فأنا إلى اليوم جاهلٌ لما يتفوهون.
أعادَ سؤاله ببرودٍ أكبر، وهو يطيل المد في كل كلمة: " متى تعيد أموالي يا غني؟ "
رسمتُ لهُ أضحوكة كبيرة على وجهي، وبإطالةٍ في المدّ أجبته : " اليوم، اليوم قبل المغيب يا مختار "
قهقه بشرهٍ كعادته، مما جعل كتل اللحم الملتصقة على جسدهِ تهتزُ بإفراط بشكلٍ يستدعي الضحك. رحل وأنا ماسكاً فمي بكلتا يديّ خشية تسرب ضحكاتي الداخلية إلى مسمعه.

بينما أنا أتابع حركة المختار خارجاً من بستاني، وأقارنها بمشية البطريق، إذ لاح لي في منتصف البستان ذات الوميض الذي لمحته قبل لحظات، تثاقلتُ المسير لاكتشاف سره، فأنا من الناس عديميّ الفضول، ثم أن المسير من موقع راحتي قرب النخلة، إلى منتصف البستان، شاق للغاية!، لكن بريقه المتواصل جذبني، فرحتُ أسعى خلفه. ما أن وصلتُ إلى المنطقة المقصودة، حتى صدرت مني شهقاتٍ متتاليةٍ لم استطع إيقافها، وأنا أرى عقداً مرصعاً باللؤلؤ والأحجار الكريمة!

*

انحنيتُ رغم الألم لالتقافه، لكنه ما أن اقتربت من ملامسته، حتى تلاشى!، قرصتُ أذني للتأكد بأنّي لستُ في المنام، فأحسستُ بألم القرصة. أعدتُ النظر فرأيتهُ على بعد أمتار! انفتحت أساريري ورحتُ مهرولاً للظفر به، لكنهُ للمرة الثانية تلاشى بعدما أحسّ بقربي!، عقدتُ حاجبيّ ورفعتُ إزاري متحدياً إياه، ورحتُ ألحقُ بهِ كلما هرب من قبضتي، كما يلحق القط لاصطياد فأره. ظفرتهُ أخيراً متعلقاً على غصنِ شجرة، كان التعب قد بلغ أشده لدي، تنفستُ الصعداء و دسستهُ في جيبي.

بعد ساعة من الراحة هرولتُ لمتجر الحاج محسن، الذي ناظرني بنظرات ملؤها الشك والريبة، وأعاد العقد لحضرتي متعذراً عن شراءه، مستنداً بحججٍ واهية، كان أبسطها عدم توافر المادة لديه. أعلم في نفسي عن شخصِ محسن، وأعلم تفكيره، عاداته، مبادئه، وأخلاقه، كعلمي الآن بشكوكه حول ملكية العقد، إذ أن مزارعا بسيطاً لا يمكنه امتلاك عقدٍ كهذا،! شعرتُ بإحباطٍ كبير، لكنّي وضعتُ البستان نصب عينيّ وردّدتُ في رأسي، " البستان أولاً ، البستان! "، حاولتُ إقناعه بطرقٍ شتى، بأن العقد يعود لزوجتي التي ورثته من والدتها، والتي ورثته هي الأخرى من والدتها، إذ أن العقد من سلالة أهل زوجتي، ولم تفرط فيه إحدى المالكات، سوى زوجتي وذلك حفاظاً على البستان.

عُدتُ إلى البيت خفيف الوزن، إذ ما كنت أحملهُ فوق ظهري وفي جيوبي، وحتى في سلة أشيائي من همومٍ، قد انقشع! بعد أن سلّمتُ ثمن العقد إلى المختار، وبقي منه ثلاثة آلاف دينار هم في جيبي. قصصتُ على زوجتي مجريات اليوم، فما لقيتُ منها سوى التكذيب! لم أعرها اهتماماً، ألقيتُ بجسدي على فراشي، ورحت في نومٍ هانئٍ، ربما لم يهنئ به أحد المزارعين من أسلافي حتى.

في صبيحة اليوم التالي، استيقظتُ متأخراً على غير العادة، دعكتُ عينيّ، وماطلتُ في( التمغطِ)، وأنا أندهُ زوجتي، لكن دون مجيب! ارتفعَ غيضي، صرتُ اشتمها للمرة الأولى، لكن دون مجيب! اضطررتُ للنهوض، إلا إنّي أحسستُ بيدٍ خفيةٍ تردعني، حاولتُ معاودة الكرّة! لكن ذات الشيء يصيبني، ما أن أوشك على الاستقامة حتى أُدفَع للفراش مجدداً.

بلعتُ ريقي، ورحتُ انظر في زوايا الحجرة، أتأكد من كوني في الحياة الدنيوية. كل شيء كحاله مذ آخر مرة أسقطت نظري عليه! استدرتُ لأرى الجانب الآخر من الحجرة، فكان كل شيءٍ متطايراً في الهواء! الخزائن، الأواني، أدوات الحرث والزراعة! كل شيء يكسر قاعدة نيوتن، الأرض تفتقر للجاذبية!
لابد أنني أحلم!، ضحكتُ على حلمي الغبي، حتى ثملت! ما أن سكن المكان من ضحكاتي، حتى سمعتُ ضحكاتٍ غريبةٍ لا أعلم مصدرها! تلفتتُ في المكان، فلم ألقى سوى الحاجيات المتطايرة! انبعثت في نفسي خيفة، وأنا حتى لا أستطيع الوقوف!
تدحرجتُ على الأرض أبغي الخروج من الحجرة الكابوسية، إلا أن سترةً باليةً عرقلت خروجي، شتمتها في نفسي وفي علني، فغضبت مني وكأنما تفهم لي! قمطتني وراحت تلعب بي كما تلعب الرحى بالطاحونة، قذفتني على المرآة، فصرختُ غالقاً عيناي، إذ أنها منيتي دون شك!
ردّتني المرآة إلى الأرض، فتعالت مني صيحات إغاثة، لم يجب عليها سوى ضحكاتِ السترة التي طارت بعيداً عن جسدي، وتركتني عارياً من أنفاسي.
كانت تضحك وتضحك كلما رأتني أزحف للخلف مخافةً منها، وفي كل مرة أرى فيها وجهاً مختلفاً عن الآخر، فتارةً يكون شبيهاً لزوجتي، وتارةً أخرى لأحد أطفال، أصرخُ فيها وأنا مازلتُ ممسكا بخاصرتي مغلقاً عيناي عن الخرافات التي تحاصرني.

أجبرتُ على الوقوف، وفتح عينيّ كالبقر، فلا أنا استطيع الجلوس ولا استطيع إغلاق عينيّ، سمعتُ صوتاً رقيقاً منبعثاً من السترة: " أين خبأت عقد أختي يا سارق العقود ؟ "
على الرغم من نعومة حسّها إلا إنّي كُنتُ أرتعش خوفاً، رحتُ أنادي سُكان البيت: " سلمى، أحلام، سعد، سعيد، أين أنتم؟! "
قهقهت من جديد، وصرتُ أرى في وجهها وجه زوجتي وأولادي مرةً آخرة، وما أن كفت عن قهقهاتها، أردفت بحزنٍ شديد: " العقد الذي سرقته هو سر الخلود في قبيلتي، وسرقتكَ لعقد شقيقتي جعلها تصارع الموت، أعطني العقد واستعد عائلتك "
- " لكنّي لم أسرقه، صدقيني أيتها السترة العجيبة.. رأيتهُ ملقىً في بستاني "- " يالك من جشعٍ طمّاع، لا تستحق حتى المساومة "- " العقد حلّ أزمتي المالية، كنتُ سأفقد بستاني "- " وما ذنبنا نحن أيها السارق اللعين، إن لم تعِد العقد قبل المغيب، يتوجب عليك نسيان عائلتك "

قهقهت بمكرٍ، وسقطت على الأرض دون حراك، اقتربتُ منها بحذرٍ شديد، تفحصتها بعينيّ، فكانت هادئة جداً، وكأنها لم تكن تطير، لم تكن تتحدث، لم تكن تشاغبني! اقتربتُ أكثر، أمعنتُ النظر، فكانت الفاجعة! " هذهِ سُترتي!؟ "

لم أفهم ما يدور في عالمي!، فقط ما كان يرن في أذني هو صراخ أطفالي، إغاثات زوجتي، وذلك العقد اللعين. بعجلةٍ بالغةٍ قصدتُ بيت المختار، طلبتُ منهُ ديّناً جديداً، ورهنتُ بستاني مرةً أخرى. لم ألقى منه سوى القبول، فأمثاله يتسابقون لإدانة المحتاج، والقنص بعد ذلك على ممتلكاتهم.

بذات العجلة أيضاً، قصدتُ متجر المجوهرات، وسلّمتُ الحاج محسن قيمة العقد، واستعدتهُ في غصون ثوانٍ، بعد أن قصصتُ عليه أكذوبات جديدة بشأن زوجتي وعقدها، الذي مابرحت تنعاه ليلاً.
ألقيتهُ في البستان، في ذات المكان المشئوم، ورحتُ أجري جرياً إلى البيت، وألم خاصرتي يختفي شيئاً فشيئاً، ما أن وصلت حتى عانقتُ زوجتي وأطفالي، طلبتُ منهم السماح وسط بكاءٍ مرير، كان متبادلاً بيننا، أمسحُ دموع زوجتي، لتسقط دموع أخرى من محجر طفلتي أحلام. أوقف حفلة البكاء سؤال زوجتي: " أين كُنت طيلة هذا العام يا أبا سعد؟ ".

.
.

الأحد، 5 ديسمبر 2010

أغرسكَ وطناً







عبسَ المرشد السياحي وأردفَ مُستاءً وهو يمسح قطرات العرق المتصببة على جبهته من حرارة الشمس: " فقط أخبروني، كيفَ تتركون أكسفورد، بيكادلي، وترافلجار، لتقفوا أمام كتلة من الحجارة أيها الأغبياء!؟ "


ابتسم الوفد الفرنسي مطأطئين رؤوسهم، بينما قهقه آخرون، غير عارفين عما يتحدث عنه المرشد حتى. من بينهم، كُنتُ أنا الوحيد عابس الوجه، بقُبعةٍ سوداء قد سترت شُقرة شعري، ونظارة سوداء قد أخفت زرقة عينيّ، أخترتُ لنفسي موقفاً في آخر الحلقة، أتابعُ الحدث بأبلغ من صمت. بينما كانَ الوفد يسبقني ببضعة أمتار، كُنتُ منشغلاً بمراقبة المنارة الغربية لمسجد الخميس. رفعتُ آلة التصوير وحددتُ الزوم على المنارة، حيثُ لا شيء يظهر سوى المنارة وزرقة السماء.

لعلَ تأخري أغاضَ المرشد المتعصب، فقد أتى إليّ يوبخني بلغته العربية، ظناً منه جهلي بما يتفوه - كما الجميع -: مالكَ تقف وكأنكَ المقطورة الأخيرة في قطارٍ كسول؟! "

ابتسمتُ في وجهه ابتسامةً بلهاء، فابتسم هو الآخر ابتسامةً مغصوبة. سمعتهُ يتمتم بصوتٍ خافت: " يا لكم من شعوب باردة، تماماً كبرود الأمكنة التي يلتحفون ثلجها "، ثم تابعَ بالانجليزية – بكل أدبٍ واحترام -: " تفضل سيدي، فالجميع قد سبقنا "
ابتسمتُ في نفسي، وبادرتهُ باللغة الانجليزية: ما هذهِ؟ (وأنا أشير بإصبعي للمنارة الغربية)
أجاب بعبوس: " منارة "
تابعتُ حديثي، لكن هذهِ المرة بالعربية: " هي المنارة الغربية للمسجد، وقد بُنيت في فترة متأخرة، وأعني بشكلٍ أدق خلال النصف الثاني من القرن الحادي عشر الميلادي، وينسب بناؤها لأبي سنان بن الفضل، الحاكم الثالث من عائلة العوينين."
شهق صاحبنا، وأضنه غير مصدق عروبتي، خاصة بعدما نزعتُ النظارة، لئلا تفوتني مشاهدة تفاصيل دهشته!

**

أنهيتُ زيارة جميع الأماكن الأثرية، السياحية القديمة، والمستحدثة. في كلِّ خطوةٍ أخطوها، كانَ يمر عليّ طيف أبي، يعلمني كيف أرسمُ علمَ بلادي، وأنقش أسفله قلباً أقسمهُ نصفين، أكتب في النصف الأول " بابا "، والمساحة الصغيرة المتبقية أكتب فيها " بحرين "، فينهرني ويمسحُ اسمهُ ليبقى في القلب كله الاسم الآخر فقط.

يعلمني كلَّ شبرٍ، وزاويةٍ قصّية في وطني، وأنا أبعدُ عنهُ آلاف مؤلفة من الكيلومترات. يشبعني حُباً لهُ دون رؤيا، يغذيني عروبةً وأنا متوسطاً الغرب، يغتال شهوتي وحريّتي، ثم يعقد قراني على فتاةٍ تكبرني قروناً!

كثيراً ما كنتُ أتساءل بيني وبيني، عن السبب الذي يجعل رجلاً يحمل في قلبهِ كلَّ هذا العشق لوطنه، بالدرجة التي تجعله يهلوسُ في نومه ويقظته، وفوق هذا وذاك يتركه مهاجراً لوطنٍ آخر! ألا يُعتبر هذا الاقتراف خيانة في دستور العاشقين؟، كانَ يجيبني: " هكذا شاء الله، إذ بعثَ في قلبيَ حُباً، وبعثتُ في رحم أمك حُباً، ثم أنجبتكَ حُباً، لأضحي بكَ حباً ".

كانت كلماته طلاسم، فلم أكن أفقه معانيها. أما اليوم، وأنا أحرث الأرض، وألقي في جعبتها بذور علمٍ وثقافةٍ وحبٍ، ادخرهم لي أبتي من زمنٍ بعيد. كانَ يعلم بقدر ما يحمل من شيباتٍ بيض، أن الأرض كريمة، والبذور المدخرة من النوعية الجيدة، لذا لم نتأخر في جنيّ محاصيلها.
اخترقَ خلوتي صغيري مُحمد، ينبش الأرض، ويسارع في تقليب التُربة، خلتهُ للحظة ينوي زراعة شجرة اللوز التي يحبها كثيراً، لكن المفاجأة لمّا أخرجَ شهادتهِ وقذفها في قعر حفرته الصغيرة، وأخذ يهل عليها التراب! تعجبتُ من صنيعه فرحتُ أسأله وكُلي عَجَب: " لِمَ يا محمد؟ "
أجابني: " لنحصل على شجرة وطن يا بابا ".
علمتُ حينها بأنّي أنجبتُ حُبّا..

الأحد، 7 نوفمبر 2010

انتظار ~



عُدتُ من عملي أجرُ خلفي حقائب تعبٍ وإرهاق . يشتدُّ عليّ التعب كُلما تذكرت حُلم تلكَ الليلة ، ويبلغ أشده عندما أتذكر التفسير الذي جلبه إليّ زميلي في العمل " حسين " من أحد رجال الدين ، الذي يتفق معهُ في المذهبية ، لا أعلم مدى إمكانية عقلي في استيعاب ذلك التفسير ،خاصة وإنّي لا أنتمي وحسين في المذهب ذاته ، ولا تصلني بهم أيّةِ صلةٍ جليّه تخولني لتصديق هذا التفسير والإيمان به !

اعتدتُ أن أسيّر حياتي و أسرتي الصغيرة في روتين معيّن لا نملّه أبداً ، كأن أعودُ بابتسامةٍ عريضةٍ رُغماً عن أنفي ، ورُغم التعب الذي أحملهُ فوق ظهري إزاء عملي من الساعة الثامنة صباحاً إلى الثالثة ظهراً . أتبادلُ القبلات و أسرتي بعفوية تامة ، أجهّز الغذاء الذي جلبهُ زوجي من المطعم القريب ، نأكل / نتحدث / نناقش / ينام زوجي والصغار ، فيما أنا أصليّ العصر وأتلو بعض الأذكار التي ورثتها من والدي" الشيخ ناصر" .
أعاودُ قراءة التفسير للمرة العاشرة والحُلم يعاودُ الانتصاب أمامَ ناظريّ كلّما سنحت لهُ الفرصة . كُنتُ في دارٍ حالكة السواد ، الظلام يلفها يُمنةً ويُسرى ، ترتعش أوصالي من اللاشيء ، أو ربما من شيء أجهله . لم يطل وجودي في تلكَ الدار ، فقد ظهرت أمامي إمرأةً قد تغشت بالسواد ، أخبرتني بأنها " زهراء " ، وقبل أن أخبرها بأنّي " إيمان " كانت قد عرفتني . كيف ؟ لا أعلم !

فتحت زهراء أمامي باباً طويلاً ، ربما كان بمقياس المائة ذراع أو أطول . أخرجتني إلى حديقةٍ غنّاء ، يملؤها كلُ شيءٍ لهُ علاقة بالجمال ، الشجر / الزهر / الجداول / العصافير ، وأشياءٌ لا أعرفها ، إلا إنّها جميلة ، بل رائعة الجمال ! . كانت تتمشى باستقامة حادة ، وأنا بجانبها أتمشى بذهولٍ حاد . حتى وصلنا لشجرةٍ غريبة الطور ، لم أعجب من النسيم الذي يُلَحِّفُ جسدي ، ولا من عبقِ الزهر الفوّاح ، ولا من جمال الأشياء المجهولة ، بقدر ما أنا متعجبة من الكينونة التي خُلقت عليها هذهِ الشجرة ، فلم تكن تحمل من الثمار شيء ، بل كانت تحملُ صخوراً مثل التي يُصلي عليها زملائي من المذهب الشيعي ويسمونها بالتُربة الحسينية . اقتربتُ من الشجرة ، وحفرتُ اسمي عليها ، دون أن أعي لِمَ فعلت ما فعلت ، عُدتُ إلى الخلف بعدَ أن وعيتُ لنفسي ، لأكتشف إن الشجرة الغريبة كانت ترمز لإسم " مهدي "!. أستدير فأرى شجرةً أخرى قد احتوت على اثني عشر تفاحة ، قد نُقشَ على كلِّ تفاحةٍ نقشاً ، لم أستطع قراءة المكتوب في كل تفاحة ، غير إن التفاحة الأخيرة كانت مضيئة، الأمر الذي جعلني أتمكن من قراءة ما عليها ، وكانَ قد كُتِبَ عليها " مهدي " بنفس طريقة الشجرة الأولى !

صحيتُ لنفسي على صوت أذان المغرب ، لا أعلم كم من الوقت استغرقت في التفكير بالمنام الغريب ، يقول حسين : نحمدُ الله على إننا ولدنا جعفريون المذهب ، وإلا كانَ من الصعب علينا إدراكَ الحقيقة ، وأنتِ تستطيعين إدراكها الآن بعد ما زارتكِ الزهراء (ع) في منامك . وقال أيضا: نحنُ الآن في طور الترقب والانتظار لمهدينا المنتظر ، الذي سيملئ الأرض قسطاً وعدلا ، بعدما مُلأت ظُلماً وجورا ، قالَ كلاماً كثيراً بشأن الظهور ، وطريقة الترقب ، ودعاء التعجيل ، وأشياء لم أفهمها .
صليّتُ المغرب ، واقترحتُ على زوجي اصطحاب الأطفال لمدينة الألعاب ريثما أنهي أعمالي المتراكمة . ما أن اختلى البيت حتى بدأتُ التنبيش في المكتبة ، لاحظتُ كُتباً كثيرة لم آلفها من قبل في مكتبتنا الصغيرة ، فالكتاب لا يهب الانسان نفسه إلا إذا أراد هو ذلك ، أبحرتُ بين الكُتب لأكتشف عوالم من الأسرار لم أكن اعرفها مُسبقاً ، وأفكار سالبة الشحنة كُنتُ أحملها بلا استحياء !، قرأت الكثير من الكُتب المهدوية التي لا أعلم كيف وصلت لمكتبتي ، منها المقنع في الغيبة ، الغيبة والانتظار لسيد محمد الحلو ، وظيفة الأنام في زمن غيبة الإمام للأصفهاني ، وقصة بقية الله في أرضه لفاديا الخفاجي. بتُّ الآن أكثر إيماناً بصحة هذا المذهب ، وبذلك المهدي الذي يترقبهُ الناس على عجل ، لم يبقى عليَّ سوى إعلام زوجي وأهلي بقرار التشيّع الذي تاقت لهُ نفسي.

تثاقلتُ الموضوع في بدايته ، واستصعبتُ طريقة الحوار التي سأفتتحها مع زوجي ، لا أبالغ إن قُلت بأنّي كُنتُ أعيش بدوامة ذلكَ الوقت . إلا إن كل تلكَ الهواجس لم يُكن لها من الصحة من شيء ، خاصّة بعدما كُشفَ الستار ، وفُضِحَ أمر زوجي الذي كان قد تشيّعَ سِراً قبل عامين !. أما أنا فقد التحقتُ بالمذهب الشيعي ، وأصبحتُ من أكثر المواظبين على حضور دعاء الندبة في صبيحة كل جمعة ، ومن الداعين لإمامنا بتعجيل الفرج . جاءني صغيري عُمر ذات مرة متسائلاً : " ماما متى بزورنا الامام المهدي ؟ من زمان وانا انطره ! " .